ابن عبد البر

240

الدرر في اختصار المغازي والسير

خصّصت بأخرة « 1 » يا للخزرج . قال ابن شهاب ، وكانوا أصبر عند الحروب . فلما ذهبوا ليرجعوا كان الرجل منهم لا يستطيع أن ينفذ ببعيره لكثرة الأعراب المنهزمين ، فكان يأخذ درعه فيلبسها ، ويأخذ سيفه ومجنّه ، ويقتحم عن بعيره [ ويخلّى « 2 » سبيله ] ويكر راجعا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حتى إذا اجتمع حواليه - صلى اللّه عليه وسلم - مائة رجل أو نحوهم استقبلوا هوازن بالضرب . واشتدت الحرب وكثر الطعن والجلاد ، فقام رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في ركائبه ، فنظر إلى مجتلد « 3 » القوم ، فقال : الآن حمى « 4 » الوطيس . وضرب علي بن أبي طالب عرقوب جمل صاحب الراية أو فرسه فصرعه ، ولحق به رجل من الأنصار ، فاشتركا في قتله . وأخذ علىّ الراية ، وقذف اللّه - عزّ وجلّ - في قلوب هوازن الرّعب حين وصلوا إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إذ واجههم وواجهوه صاح بهم صيحة ورمى في وجوههم بالحصا ، فلم يملكوا أنفسهم ، وفي ذلك يقول اللّه عزّ وجلّ : ( وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ) . [ و ] « 5 » روينا من وجوه عن بعض من أسلم من المشركين ممن شهد حنينا قال ، وقد سئل عن يوم حنين : لقينا / المسلمين فما لبثنا أن هزمناهم واتبعناهم حتى وصلنا إلى رجل راكب على بغلة بيضاء ، فلما رآنا زجرنا زجرة وانتهرنا ، وأخذ بكفه حصا أو ترابا ، فرمانا به ، وقال : شاهت الوجوه شاهت [ الوجوه ] فلم تبق عين إلا دخلها من ذلك . فما ملكنا أنفسنا أن رجعنا على أعقابنا . وما استوفى رجوع المسلمين إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلا وأسرى هوازن بين يديه . وثبتت أمّ « 6 » سليم في جملة من ثبت أول الأمر محتزمة ممسكة بعيرا لأبى طلحة وفي يدها خنجر . وانهزمت هوازن ، وملك العيال والأموال . واستحرّ القتل في بنى مالك من ثقيف فقتل منهم

--> ( 1 ) في الأصل : الأخرى . ( 2 ) زيادة من ابن هشام . ( 3 ) مجتلد القوم : مكان جلادهم وعراكهم . ( 4 ) الوطيس : التنور . والاستعارة واضحة . وهي من الكلم التي لم يسبق إليها الرسول . ( 5 ) زيادة للسياق . ( 6 ) هي أم أنس بن مالك تزوجت بعد أبيه أبا طلحة الأنصاري .